تقرير بحث السيد الخوئي للتبريزي
482
مصباح الفقاهة ( ط أنصاريان )
الارتزاق من بيت المال قوله بقي الكلام في شيء إلخ . أقول : حاصل كلامه أن معظم الأصحاب قد صرحوا بجواز الارتزاق من بيت المال لكل من يحرم عليه أخذ الأجرة على الإتيان بالواجبات كالقضاء والإفتاء وتجهيز الميت ، أو الإتيان بالمستحبات كالأذان ونحوه . والوجه في ذلك أن بيت المال معد لمصالح المسلمين ، وهذه الموارد من جملتها ، لعود النفع إليهم ، فإن أي شخص إذا أتى بأي شيء يرجع إلى الجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين كالأمور المذكورة وغيرها جاز لولي الأمر أن يدر عليه من بيت المال ما يرفع به حاجته . ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المقدار المقرر لهم أقل من أجرة المثل أو مساويا لها أو أكثر منها ، ولا بين أن يكون تعيين ذلك قبل قيام هؤلاء بالوظائف المقررة عليهم أو بعده ، بل يجوز لولي المسلمين أن يقول لأحد منهم : اقض في البلد ، أو أذن وأنا أكفيك مؤنتك من بيت المال ، ولا يكون ذلك إجارة ولا جعالة . نعم يشترط في جواز الارتزاق من بيت المال أن يكون المتصدي للمناصب المذكورة والوظائف المقررة من ناحية الشرع محتاجا اليه بحيث لا يقدر على قوت نفسه وعياله ولو بالتكسب ، وإلا فلا يجوز له الارتزاق من بيت المال ، فإنه تضييع لحقوق المسلمين . أقول : لو قلنا بحرمة أخذ الأجرة على الواجبات أو المستحبات فإن الأدلة الدالة على الحرمة مختصة بعنوان الأجرة والجعل فقط ، فلا تشمل بقية العناوين المنطبقة على المتصدين لتلك الوظائف ، كالارتزاق من بيت المال ، فإنه معد لمصالح المسلمين ، فيجوز صرفه في أي جهة ترجع إليهم وتمس بهم ، بل يجوز لهؤلاء المتصدين للجهات المزبورة أن يمتنعوا عن القيام بها بدون الارتزاق من بيت المال إذا كان العمل من الأمور المستحبة ، وعليه فلا وجه لاعتبار الفقر والاحتياج في المرتزقة كما ذهب اليه جمع كثير من أعاظم الأصحاب . لا يقال : إذا صار القضاء وأمثاله من الواجبات العينية كان شأن ذلك شأن الواجبات العينية الثابتة على ذمم أشخاص المكلفين ، كالصلاة والصوم والحج ونحوها ، ومن الواضح جدا أنه لا يجوز الارتزاق من بيت المال بإزائها . فإنه يقال : إن القضاوة ونحوها وان كانت من الواجبات العينية فيما إذا انحصر القاضي بشخص واحد ، ولكنها مما يقوم به نظام الدين ، فتكون من الجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين ، فقد عرفت : أن مصرف بيت المال إنما هو تلك المصالح ، فلا يقاس القضاء وأمثاله